الرئيسية | تحاليل سياسية | متى يُشْفَى التونسيون من نفاق فلسطين؟. |بقلم: نزار بولحية.

متى يُشْفَى التونسيون من نفاق فلسطين؟. |بقلم: نزار بولحية.

تحاليل _ تحاليل سياسية _ متى يُشْفَى التونسيون من نفاق فلسطين؟. |بقلم: نزار بولحية*.

لا أحد يشك أو يرتاب لحظة في حبهم لها وتفكيرهم فيها وفي محنها ومآسيها. لكن أليس الكثير مما يظهر في تونس من أشكال التأييد الظرفي لفلسطين هو استنساخ فاسد ومغشوش لطقوس تتكرر من دون حس ولا روح؟
انظروا ملياً إلى مواقف السلطة والأحزاب والمنظمات والهيئات المدنية من إضراب الأسري مثلاً ألا ترون جفاءها وبرودها وفقدانها لأي مظهر أو علامة قد تدل على تخطيها حدود تلك الصيغ النمطية الجوفاء من إدانة واحتجاج وتأييد؟
وتأملوا جيداً ما قاله رئيس مجلس النواب في السابع عشر من الشهر الماضي أي في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني عند افتتاح جلسة نيابية رسمية من «إنّنا نجدّد بهذه المناسبة تضامننا مع الأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ونؤكد مناصرتنا للشعب الفلسطيني الأبيّ في دفاعه عن قضيته العادلة». وقارنوا ذلك بما كان يقوله الرئيس المخلوع بن علي حين كان يمسك يد الزعيم الراحل ياسر عرفات ويرفعها عالياً ويردد باسماً أمام الكاميرا بان فلسطين هي قضيته الشخصية. هل تجدون فرقاً بين المشهدين؟ وهل تبدو لكم لغة البيانات القليلة التي صدرت قبل أيام عن بعض الأحزاب وعن رابطة حقوق الإنسان واتحاد العمال بعيدة أو مختلفة في شيء من ألفاظها وتراكيبها عن تلك التي كانت تصدر زمن الاستبداد دعماً لفلسطين ونصرة لها؟
قطعاً لا . لا شيء يدل على أن هناك اختلافاً جذرياً ولا حتى سطحياً وشكلياً بينهما رغم كل التوسع الملحوظ لهامش التفكير والتعبير الحر في تونس خلال السنوات الست الأخيرة. قد يقول البعض وما المطلوب منهم أكثر من ذلك؟ وهل أنّ تونس الصغيرة والغارقة في مشاكل لا عدّ لها ولا حصر تملك شيئاً آخر عدا التعاطف الرمزي والمعنوي مع الفلسطينيين؟ وما الذي باستطاعتها أن تقدم لهم اكثر مما قدمت؟ هل ستحارب أو تفاوض بدلاً عنهم؟ وهل تملك القدرة على فعل شيء أقوى وأكبر؟
والجواب الفوري والقطعي هو إنّ تونس الصغيرة والمشغولة بهمومها تستطيع أن تفعل المزيد. لكن شرط أن تعتبر فلسطين قطعة أصيلة منها لا جسماً غريباً وهجيناً عنها وملفاً خارجياً كباقي الملفات لا قيمة له إلّا في بعده الرمزي والعاطفي المحدود. وهذا الأمر يحتاج منها بالطبع أن تُعَدِّل بالأساس رؤيتها لطريقة التعامل مع مسألتين مهمّتين وهما المفاضلة بين صوت المبادئ وضغط المصالح. إنّ عليها أن تحدّد بوضوح إلى أيّ جهة تميل وما إذا كانت مستعدّة للتضحية بمصالحها الحيوية والعاجلة حتى تظلّ منحازة لقيمها ومبادئها. وعليها أن تعرف قبل ذلك ما إذا كان التونسيون الذين يردّدون الشعارات والهتافات الصاخبة والحماسية بحياة فلسطين على استعداد لأن يتخلّوا عن قليل من الاستقرار والرفاه الذي ينعمون به ويتحمّلوا تبعات أيّ ضغط قد يصدر عن أيّ جهة أجنبية تناصر الإسرائيليين وترى في مثل تلك المواقف الثورية تصعيداً غير مقبول ضدّها.
لكن ألا يبدو الأمر قاسياً وعلى قدر من التشدّد المبالغ به مع بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ويمر بظرف انتقالي صعب وليست له لا الثروة ولا الثقل الديموغرافي أو العسكري الذي يجعله قادراً على الحسم بوضوح وتعديل سياساته مئة وثمانين درجة من دون مراعاة علاقاته وارتباطاته الإقليمية والدولية وأخذ التقلبات الداخلية والخارجية التي تحدث من حوله بعين الاعتبار؟ لماذا نطلب من تونس بالذات ما لا نطلبه من باقي الدول العربية الأكثر وزناً ومالاً وقوّةً وتأثيراً منها؟
إنّ السبب ليس فقط لأنّ تونس وقفت مع الفلسطينيين في واحدة من أشدّ محنهم في لبنان واستقبلتهم حين ضاقت بهم الأرض مطلع الثمانينات ليختلط دمهم بالدم التونسي في بلدة حمام الشط بعد أن قصفها الطيران الإسرائيلي. وليس فقط لأنّها لم تتورّط مثل معظم الدول العربية في التأثير على القرار الفلسطيني بل تركت لمنظمة التحرير نوعاً من الاستقلالية في إدارة شؤونها واختيار توجهاتها، بل لأنّ الفلسطينيين انفسهم ظلوا يعيشون قصص حبّ حقيقية مع تونس لم يستطع من عاد منهم بعد اتفاقات أوسلو إلى مناطق سيطرة السلطة أن ينساها أو يشطبها من ذاكرته بسهولة. ألم يقل محمود درويش يوماً: «كيف نشفى من حبّ تونس. لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نر في أيّ مكان آخر…». هل كان يبالغ مثل عادة الشعراء؟ أم كان يتحدّث عن حقيقة وجدت في وقت وظرف معيّن قبل أن تنحسر وتتقلّص؟
هل يمكن لمشاعر الألفة والحنان والسند التونسي لفلسطين أن تذوب أو أن تتكلّس وتتحوّل في ظرف سنوات قليلة إلى نوع من النفاق السياسي والاجتماعي الفج؟ وهل بعدت فلسطين عن التونسيين أم أنّهم هم الذين ابتعدوا عنها؟
لقد احتكر نظاما بن علي وبورقيبة لوقت طويل مهمة النطق والتعبير عن أيّ مشاعر نحوها ولم يكن بوسع أحد أن يحسّ بأيّ انتماء لها خارج التمثّلات والقوالب الشعبية والرسمية. أمّا من حاولوا فعل ذلك والخروج عن الخطّ (القوميون والإسلاميون) فقد بقيت أصواتهم شبه معزولة وبقوا لعقود يوصفون بالخارجين عن القانون والمناوئين للسلطة. ورغم كلّ ما أظهره النظامان من عداء شديد لهم ورفض لبرامجهم وأفكارهم إلّا أنّهما لم يستطيعا حتى حين قطعا خطوات مضادّة للوجدان الشعبي من قبيل خطاب بورقيبة في أريحا أو فتح مكتب اتصال إسرائيلي في تونس واستقبال الوزير الإسرائيلي سيلفان شالوم في قمّة المعلومات أن يفصلا التونسيين كلياً عمّا كانا يقولان باستمرار إنّها قضية العرب والمسلمين الأولي. وما حصل بعد هروب بن علي هو أنّ فلسطين انحسرت وتقلّصت ولم تعد تحضر بالقوّة المطلوبة في عقول التونسيين. هل كان الانشغال بترتيب البيت الداخلي هو السبب المباشر أم أنّ تعمّق الأزمة في الجارة ليبيا ثم لاحقاً سوريا هو الذي جعل أنظار مئات وآلاف الشباب تتحوّل عنها لتوجه نحو ما رأته جهاداً مقدّساً ضدّ كفّار ومرتدّين؟
في كلّ الأحوال قد يعكس ذلك جزءاً من الصورة ولكن الجزء الآخر هو أنّ قضية فلسطين ظلّت بوجود الاستبداد أو بدونه على ارتباط بصراعات السلطة. والغريب أنّ تونس التي حاول الاستبداد فصلها عن محيطها الإقليمي عادت في مراحل انتقالها الديمقراطي لنوع من الانعزال المقنّع وصار كلّ ما يشغلها هو الحفاظ على أمنها والبحث عن حلّ لازماتها المالية. أمّا ما يحصل في فلسطين وحتى في جوارها القريب فلم يعد يعنيها بشكل كبير ومباشر. والأغرب من ذلك هو أنّها صارت تنأى بنفسها حتى عن الأفراد الذين حاولوا بجهد ذاتي أن يقدّموا شكلاً مبتكراً من أشكال الدعم لفلسطين كالشهيد المهندس محمد الزواري.
لقد تلوّث حبّ فلسطين بحسابات الرّبح والخسارة. ولم يعد ممكناً لأيّ طرف حاكم أو معارض وهو يعلن حبّه لفلسطين أن يغفل عن تلك العملية. وربّما بدا ذلك للبعض تكتيكاً أو مناورة سياسية. ولكنّه باختصار نفاق لفلسطين. شفى الله كلّ العرب والتونسيين منه!

————————————————————————————————————–

* كاتب وصحافي تونسي

شاهد أيضاً

أردوغان الرّابح الأكبر من صراع الناتو وروسيا | فاضل المناصفة

تحاليل _ تحاليل سياسية _ أردوغان الرّابح الأكبر من صراع الناتو وروسيا | فاضل المناصفة* …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.